اللجان الشعبية تحرج الأمن بالشرقية بعد تأمينهم لمباراة بورفؤاد

الخميس، 18 يوليو 2013

سليم عزوز يكتب :عندما كان الهتاف: " تسقط الديمقراطية.. يسقط المثقفون الخونة"!



أعترف أنني مذهول..
كنت أعلم بالهوة السحيقة التي سقطت فيها النخبة، لكن لم أعلم أنها سقطت في مستنقع ليس له من قرار، على نحو تماهى فيه دور المثقف مع طبيعة العسكري، وصار الأول يقدم للأخير خطابًا تبريرًا لخروجه على قيم الحق والعدالة والحرية، وصرنا أمام شريحة كبيرة من المثقفين لا تتورع عن أن تتحدث بلسان الدهماء، والعوام، على نحو مثل مفاجأة لي، وقد جهروا بالمعصية بشكل غير مسبوق!.
قبل أيام كنت ضيفًا على إحدى الفضائيات، وكان موضوع الحلقة ما تشهده مصر من انقلاب على الشرعية، استخدمت فيه القوى الثورية غطاء لثورة مضادة، ضمت الجاني والمجني عليه، والقاتل والضحية، والثوار وقاتليهم، وبدا الأمر فيه "وجهة نظر"، وقديمًا قال القائل "نحن في زمن أصبحت فيه الخيانة وجهة نظر"!.
مثلي يحتمل هذا الخلاف على عدم منطقيته، فانحيازات كثيرين ليست للقيم المجردة، وسوف تسمع كثيرًا عن الحكم الإخواني الفاشل، الذي لم ينتصر لمطالب الثورة، ولم ينصف ضحاياها، وكأن الانتصار والإنصاف سيأتي على أيدي خصومها.. لكن لا بأس!.
البأس الشديد من وجهة نظري يتمثل في تبعيات هذا الانقلاب على مطالب ثورة يناير، والذي يراه البعض الموجة الثالثة للثورة، وأحد تجلياتها. إذ حدث بعد الانتهاء من تلاوة بيان الانقلاب أن انطلقت قوات الأمن تغلق الفضائيات الموالية للشرعية، ومن يظن أن تكون بها شبهة موالاة، وتعتقل العاملين فيها وضيوفهم بدون مسوغ قانوني!.
ما أفزعني حقًا هو هذا التجاوز الخطير الذي جرى مع نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين خيرت الشاطر، الذي اقتحمت قوات الأمن " غرفة نومه"، غير واضعة في الاعتبار " حرمة البيوت" المقررة في كافة الدساتير المصرية بما في ذلك تلك التي وضعت في عهد الاحتلال الأجنبي لمصر.
وقد سبق لحبيب العادلي وزير داخلية مبارك على إجرامه، أن أصدر قرارًا بعدم مداهمة البيوت ليلاً، ولو للقبض على متهم مطلوب للعدالة، ومستدعى لجهات التحقيق، لكن شاهدنا والحديث عن ثورة ثانية عودة " زوار الفجر"، الذين عرفتهم مصر في حكم الرئيس جمال عبد الناصر، الذي لم يكن يقدم نفسه على أنه يريد تشييد نظام ديمقراطي، ويفخر محمد حسنين هيكل بأنه هو صاحب المصطلح: " زوار الفجر".
كان يمكن أن تطرق الأبواب ثم يطلب من الرجل أن يعد نفسه للاعتقال، فلا يمتلك قوة لتحول دون ذلك، لكن بدا واضحًا أن القوة بعددها وتعسفها من خلال الفيديو الذي تم بثه على نطاق واسع، كانت تتصرف على قاعدة " اضرب المربوط يخاف السايب" وكانت تستهدف إهانته وأن يبدو أمام الناس مهانًا وهو الرجل القوي في تنظيم الإخوان المسلمين، إذ اقتحمت " غرفة نومه" ليكون وزوجته بملابس النوم، وكان يتم تصوير هذه اللحظات التاريخية الفاصلة في تاريخ الثورة المصرية، التي كانت الحرية على رأس مطالبها.
في أجواء طبيعية كان تسريب هذا الفيديو ليس له إلا معنى واحد وهو الإساءة للنظام، وتشويه صورة جهاز الأمن، لكن لم نكن في أجواء طبيعية وبدا واضحًا أن من تولى عملية المداهمة والقبض هو من قام بتسريب الفيديو بهدف المباهاة والفخر، وللتأكيد على أننا في مرحلة جديدة، عادت فيها الهيبة لجهاز الشرطة الذي رأينا عددًا من رجاله يشاركون في المظاهرات، وما يمثل خروجًا على مقتضى الواجب الوظيفي. كان هذا وسط تصفيق صفيق من المعارضة التي صدعت رؤوسنا بحكم القانون.
ذكرت جانبًا من هذا الانتهاك لحقوق الإنسان، وفي حدود علمي أن خيرت الشاطر وإن كان قد تعرض لاعتقالات كثيرة في العهد البائد، لكن أظنه كان يعامل باحترام، ولا أعتقد أن تجاوزًا وصل إلى هذه الدرجة معه، وذكرت كيف عدنا إلى سياسة "الرهائن" عندما يتم القبض على أحد أقرباء الدرجة الأولى للمطلوب القبض عليه لكي يسلم نفسه، فقد ذهبوا للقبض على الدكتور عصام العريان وعندما لم يجدوه اعتقلوا نجله، وعندما ذهبوا لاعتقال الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل فوجدوا شقيقه عنده اعتقلوه، ومن سابق علاقة مع الشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمه الله، كنت أعلم أن حازم هو ابنه الوحيد الذي لديه اهتمامات سياسية.
إزاء هذا كله، كنت أرى أن ثورة 25 يناير، التي شاركت فيها، وتعرضت خلالها للموت أكثر من مرة، يتم الخروج على أهدافها، وما قامت إلا للحفاظ على كرامة المصريين والدفاع عن إرادتهم، وعبرت عن انزعاجي في البرنامج، فإذا بي أفاجأ بدفاع أحد الضيوف، وهو واحد من المثقفين، لكنه تصرف وفق سياسة ضباط البوليس عندما لا تسعفهم الحجة، فقد أعلن أن شقيق الشيخ حازم اكتشفوا أنه يملك مصنعًا للأسلحة. ولم أقرأ هذا في تصريحات القيادات الأمنية، ثم انطلق مستهينًا بعمليات الاعتقال من "غرف النوم" وانتهاك " حرمة البيوت"، فالبلد في ظرف استثنائي، فعن أي حقوق إنسان أتحدث؟!.
مثل هذا الكلام سمعته من كثيرين، وقاله الدكتور محمد البرادعي نفسه الذي عندما سئل ما هي الصفة التي يحب أن يُعرف بها قال: " داعية حرية"، حتى منظمات حقوق الإنسان، صمتت وعندما نطقت إذا بها تبرر هذه التجاوزات الرهيبة، وقرأت لواحد من الزعماء التاريخيين للمنظمات الحقوقية " الممولة من الخارج" يطالب الجهات الأمنية بالتدخل لفض اعتصام أنصار الشرعية أمام جامعة القاهرة، لأن وجودها يؤدي إلى توقف مرفق عام عن العمل، مع أن هذا الكلام يمكن أن يقال عن اعتصامات " ميدان التحرير" حيث توجد مظاهرات الذين ينحازون للانقلاب، وحيث يوجد " مجمع التحرير" الضخم الذي يعمل به الآلاف من الموظفين الحكوميين في العديد من الهيئات الحكومية المختلفة، وكانت مظاهراتنا هناك في أيام ثورة يناير وما تلاها توقف العمل به، وكان هذا الحقوقي معنا، وفي يوم 30 يونيو وما بعده منع "المتظاهرون" الموظفين من دخوله، في إطار حملهم على الاستجابة لدعوتهم للعصيان المدني العام.
ازدواج المعايير لدى النخبة المصرية، لا يزعجني كثيرًا، لكن الذي أزعجني حقًا هو أن القطاع العريض من المثقفين لم يعد مشغولاً بمبادئ عظيمة كالحرية والديمقراطية والعدالة، على نحو يمثل انقلابًا في فكر وعقلية هذا المثقف، الذي كان في السابق عقبة في مواجهة كل مستبد، وكانت مثل هذه المبادئ الإنسانية الراقية مرتبطة به.
في انقلاب حركة الجيش في سنة 1952، وكان قياداته يريدون حكمًا عضوضًا كان من يقف لهم هم المثقفون، وفي مواجهة هذا تم إخراج العمال من مصانع حلوان في مظاهرات تهتف: " تسقط الديمقراطية .. يسقط المثقفون الخونة"، وهو هتاف هزلي كما تعلمون!.
لقد جرت في النهر مياه كثيرة من سنة 1952 إلى سنة 2013، إذ تحول المثقفون، وقد يخرجون يومًا في مظاهرات يهتفون: " تسقط الديمقراطية.. يسقط العمال الخونة".
لن يُكتب الآن عن خيانة المثقف، ولكن عن جرائمه في حق المبادئ الإنسانية العظيمة، ونحن نعيش مرحلة " التعري" بعد أن سقطت أوراق التوت التي تستر العورات، ولم نعد نفرق بين لسان المثقف و" بيادة العسكري".



azouz1966@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق